30 - 09 - 2026

مؤشرات | إلى عبد العزيز "الروح" الذي رحل

مؤشرات | إلى عبد العزيز

صديقُكَ مَنْ يُقَاسِمُكَ الهُمُومَا ... وَيَحْمِلُ عَنْكَ عِبْئَكَ وَالغُمُومَا

إِذَا مَا ضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ ... رَأَيْتَ بِمِثْلِ طَلْعَتِهِ النَّعِيمَا

فَمَا الدُّنْيَا بِلَا خِلٍّ وَفِيٍّ ... يُعِينُكَ حِينَ تَسْتَسْقِي الغُيُومَا

تلك كلمات صاغها شاعر عظيم، عن الصداقة، والصديق، فيما قال أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله:

سألتُ الناسَ عن خِلٍّ وفيٍّ

فقالوا: ما إلى هذا سبيلُ

تمسّكْ إن ظفِرتَ بوُدّ حُرٍّ

فإنّ الحرَّ فى الدنيا قليـلُ

ولكني أنا كاتب هذه السطور أضفت:

وجدت في عبد العزيزِ الطريقا.. وظل الحب بيننا يدوم

ورغم الفراق لن أبقى وحيدَا.. سنتلاقى في الأحلام روحاً جميلة

القراء الأعزاء، أستأذنكم في استعارة هذا السطور لأرثي صديق الطفولة والصبا والشباب، والشيخوخة، والذي غادرنا قبل أيام، بعد فترة مرض طالت بعض الشيء، ظل خلالها يتألم وحده، بعد رحيل شريكة عمره، قبل سنوات، عانت في سنواتها الأخيرة معاناة صعبة.

أخفى صديقي المهندس عبد العزيز عبد الدايم، على مدى سنوات مرضه، وظل يتألم وحيداً، واضعاً أولوية العلاج والتمريض لزوجته وأم أولاده، متنقلاً بها بين العيادات والمستشفيات ومعامل التحليل والأشعة، باحثاً في ربوع البلاد عن علاج لزوجته، ومتعلقاً بكل ما هو جديد.

مع الأيام حفظ التفاصيل في علاج أمراض الدم، لدرجة أنه كاد يكون متخصصاً في العديد من الأمراض، والدخول في نقاش مع الأطباء، وهو ما كان يزعج الأطباء المعالجين، أو حسب تعبيره لي أن "بعض الأطباء يزعجهم أن يكون المريض أو مرافقه يفهم في الطب".

خاض صديقي سنوات طوال مع زوجته "أم محمد" هو وابنه الأكبر مهندس محمد، معارك ضد أمراض الدم، والتي وصلت في أحد مراحلها إلى زراعة نخاع، وفي نفس الوقت بدأت ألام المعدة والكبد تزداد علي عبد العزيز، وأخفى عن زوجته الكثير من آلامه، متفرغاً لعلاجها.

وكان قضاء الله أسرع من أي شيء لترحل الزوجة في سلام قبل سنوات، وذلك قبل أن تفرح بابنتها الأصغر "الصيدلانية"، ليصبح صديقي أباً وأماً في نفس الوقت، إلا أنه وسرعان ما طاردته الأمراض، ويدخل في مرحلة تحيط به من المخاطر وآلام وصلت إلى ما لا يتحمله بشر.

فرح بزواج أخر البنات، وقال كلمة مهمة "تحاملت على أمراضي، وحرصت على أن أوفر لابنتي وزوجها ما يحلم به كل عروسين"، ويوم الزفاف جلست بجواره، بجسم نحيل  نتيجة المرض اللعين، ورأيت الابتسامة، تشع من عينيه، لكن الدموع تلمع من بين جفون مرتخية، وابتسامة يظهر عليها التأثر بالمرض، وتأثيره.

قال صديقي عبد العزيز وهو يبدأ، ليلة حنة ابنته الصغرى، وسط الأهل والأحباب وما أكثرهم "أتمنى أن أرى من حولي في سعادة وأرى أحفاداً من كل أولادي"، وتذكرنا صديقنا المشترك رحمة الله عليه، محمد عباس، وطرحنا السؤال "ماذا لو كان محمد عباس بيننا الآن"، مجرد سؤال افتراضي، وكل منا أخذ يتوقع ماذا سيكون الوضع، إلا أن الدموع غلبتنا في صمت، بل بآهات.

قبل أكثر من 60 عاما، ارتبطت وصديقي عبد العزيز ونحن في سنوات المرحلة الابتدائية ومجموعة من الأصدقاء بحالة من الصداقة الخاصة، منهم من تفرقت بنا السبل، وغاب البعض عن الحياة، ومن هاجر لبلاد المهجر مبكراً، ورحل عن الدنيا في بلاد ليست ببلادنا، ولكن بقيت مجموعة أكثر وفاقاً نلتقي دورياً "محمد الحضري، وعزيز فوزي ومحمد عباس، وسيد العزب، وعبد العزيز وأنا وغيرهم"، وسقط منها في الطريق بعض الأصدقاء، ولكن ظل الود عنوانا.

ظلت شلة "ميت غراب" أو "شلة البلد"، كما كنت أسميها، تواصلنا كثيراً، في كل مكان كان لنا لقاء، اختلفت مآربنا وسنوات الدراسة، من أصبح مهندساً زراعياً، ومدرساً للرياضيات، وأخر مدرس محاسبة، وطبيب، وآخر محاسب، وعبد العزيز وأنا جذبتنا الكتابة والصحافة، والاهتمام الثقافي، والعمل العام والسياسي، ولم تُبعد الهندسة عبد العزيز عن اهتماماتنا التي رأينا فيها أنفسنا، ورغم عدم احتراف عبد العزيز الكتابة والصحافة، إلا أنها ظلت اهتمامه.

حلمنا جميعاً بحلم مشترك، سنواصل الحياة ونبني أسرا، وتتواصل زوجاتنا وأولادنا وأحفادنا، الأعمار كانت أسرع للنهاية، ولم تتحقق كل الأماني، وسقطت أول ورقة من شجرة الصداقة قبل أكثر من 30 عاماً بوفاة محمد الحضري (ابن العم والعمة)، متأثراً بأمراض الكبد، التي أكلت أكباد مصريين كٌثر، وبعدها غادر الدنيا بسقوط الورقة الثانية عزيز فوزي بعد عملية في القلب، وسريعاً سقطت الورقة الثالثة بوفاة سيد العزب بعد صدام مع مرض الكبد، وتأتي الورقة الرابعة والتي انطفأ اخضرارها بوفاة محمد عباس متأثراً بأمراض القلب، وها هي الورقة الخامسة تسقط برحيل الأرق قلباً بيننا برحيل عبد العزيز عبد الدايم.

اقتربت مع عبد العزيز كثيرا، اضطررنا في مراحل سنية مبكرة للعمل في مهن شاقة، وعملنا في بلاد الهجرة المؤقتة خلال سنوات الدراسة في أعمال ما أصعبها، والتي ظلت علاماتها على الأجساد، من حرارة الشمس، وتفاعل الرمال والأسمنت على الجلد، والانحناء لتنظيف قاعات مطاعم بقطعة اسفنج بمساحة كف اليد.

لسنوات طويلة وعبد العزيز كان يعمل مهندساً في محطة كهرباء قها بالقرب من القاهرة، وكانت فرصة أن نلتقي كثيرا وربما بشكل شبه يومي أو أسبوعي، في بيتي بالهرم، وثالثنا سيد العزب، وكانت فرصة للتعرف على مجموعات من أصدقائي الأخرين، في منطقة سكني في الهرم (العائلي والخاص)، وفي دراستي للمسرح، والصحافة، وأصدقاء العمل، وترتيب حضور ندوات ثقافية وفنية وسياسية، بل وصل الأمر للسفر معي في مهام عملي الصحفي خارج القاهرة.

لم نفترق بسبب السفر للعمل خارج مصر لسنوات، ولم تفصلنا سنوات الشقاء، وظل انتهاز الفرص للقاء داخل وخارج مصر، وكم كان الحزن يسيطر علىًّ، كلما أرى عبد العزيز يتألم من المرض، الذي اقتضى استئصال جزء كبير من الأمعاء، لتبدأ سلسلة التدهور، ولكن كم كان متمسكاً بالحياة ولديه أمل فيما هو قادم، وكم كنت سعيداً برؤية عبد العزيز يسير ومشاركاً في كثير من المناسبات رغم الآلام، واتفقنا أن نقضي أياماً عندما يتزوج ابني الأصغر، ووضعنا برنامجنا للقاء الطويل الذي رسمنا خطته، ولكنه كان يبدو أنه مجرد حلم في الدينا.

في أخر خمسة أيام موبايل الصديق الأوفى، مغلق، زاد انزعاجي، لأنه عدم الرد على اتصالاتي ليست من عاداته، الرد يأتي لاحقاً، وما أزعجني أنه في أخر اتصال، قال "سأتصل بك في مكالمة طويلة بعد أن تتحسن صحتي شوية"، ويبدو أنها كانت النهاية، لم يصل الاتصال، وصمت الموبايل، وجاء الخبر "البقاء لله توفي عبد العزيز" لتسقط الدموع، ونقف في صف طويل نتلقي العزاء أمام قبره.

لتمر أمامي احداث وتفاصيل سنوات طويلة منذ كنا أطفالاً نلعب في الشوارع، وخلال أعوام دراسية بين السنبلاوين والمنصورة والقاهرة، وأحياء الحسين والسيدة زينب والقلعة، والهرم ومدينة نصر، وأكتوبر، وسفريات إلى قلب بغداد والمحمودية، والبصرة وكربلاء، وفي جده والمدينة ومكة، وفيينا وباريس وموسكو ودبي، وبكين، وإسطنبول والجزائر ومسقط ومدريد، ومدراس، ونيودلهي وبيروت، وإسلام أباد والخرطوم وطرابلس وبني غازي، وشنجهاي وتشيناي، وموسكو والكويت والدوحة والمنامة، وجوهانسبرج، ودمشق وحلب واللاذقية، والدار البيضاء وعشرات المدن حول العالم وفي غيطان قريتنا ميت، فكم كنا نحكي عن "المدن والناس"، كقاسم مشترك في عشق الحكايات.

يَا صَاحِبي، وَهَوَاكَ جَذْبٌ مُقْبِلٌ ... لَوْ كَانَ مِثْلَ هَوَاكَ كُلُّ جَوَارِحِي

لَمْ أَبْكِ يَوْماً فِي الفِرَاقِ صَبَابَةً ... وَلَمَا شَكَوتُ النَّائِبَاتِ القَوَادِحِ

أَنْتَ الَّذِي إِنْ مَالَ دَهْرِي لَمْ يَمِلْ ... وَتَكُونُ حِصْنِي فِي الخُطُوبِ الفَوَادِحِ

(من أشعار إيليا أبو ماضي)

إنا لله وإنا إليه راجعون... ..."يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي"..

فقدت مساء السبت 26 سبتمبر 2026 أعز الناس عندي وصديق العمر كله وابن طفولتي وصباي وشبابي وشيخوختي المهندس المثقف والخير عبد العزيز عبد الدايم العزب المدبر العام السابق بوزارة الكهرباء بعد رحلة قاسية من المرض...

عبد العزيز رفيق درب طويل وتجارب ثقافية وصحفية في مراحل العمر المختلفة..

لقد فقدت جزءًا من روحي ...مع السلامة يا عبد العزيز " الموت عندي يساوي غيابك الحالي"،.. والى الملتقى.

اللهم ارحمه رحمة واسعة ونسأل الله الصبر ولأبنائه وبناته وأحفاده وأهله أيضاً...

ارجو من الجميع أن يتذكره بالدعاء.
--------------------------------
بقلم: محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | إلى عبد العزيز